علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
274
ثمرات الأوراق
وقيل : البلاغة في المعاني ، والفصاحة في الألفاظ ، يقال : معنى بليغ ، ولفظ فصيح ، والفصاحة خاصة تقع في المفرد ، يقال : كلمة فصيحة ، ولا يقال : كلمة بليغة ؛ ففصاحة المفرد خلوصه من التّعقيد وتنافر الحروف ، والفصاحة أعمّ من البلاغة ؛ لأنّ الفصاحة تكون صفة للكلمة والكلام يقال : كلمة فصيحة ، وكلام فصيح . والبلاغة لا يوصف بها إلّا الكلام ؛ فيقال : كلام بليغ ، وكلمة بليغة ، واشتركا في وصف المتكلم بهما فيقال : متكلّم فصيح بليغ . فمن الإنشاء البليغ الفصيح قول عبد الحميد عند ظهور الخراسانية بشعار السّواد : فاثبتوا ريثما تنجلي هذه الغمرة ونصحو من هذه السّكرة ، فسينضب السّيل ، وتمحى آية اللّيل . ومثله قول أبي نصر العتبي : دبّ الفشل في تضاعيف أحشائهم ، وسرى الوهن في تفاريق أعضائهم ، فجيوب الأقطار عنهم مزرورة ، وذيول الخذلان عليهم مجرورة . ومثله قول الصابئ : نزغ به شيطانه ، وامتدّت في الغيّ أشطانه . ومثله قوله بديع الزمان : كتابي إلى البحر وإن لم أره ، فقد سمعت خبره ، واللّيث وإن لم ألقه فقد تصورت خلقه ، ومن رأى من السيف أثره ، فقد رأى أكثره . ومثله قول القاضي الفاضل : ووافينا قلعة نجم وهي نجم في سحاب ، وعقاب في عقاب ، وهامة لها الغمام عمامة ، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة . قلت : ويعجبني في هذا الباب من إنشاء الشّهاب محمود قوله في وصف مقدّم سرية : كشف الإزار في مقاصده أخفّ من وطأة ضيف ، وفي مطالبه أخفى من زورة طيف ، وفي تنقّله أسرع من سحابة صيف ، وأروع للعدا من سلّة سيف . ومثله في الحسن قوله صدر مثال شريف سلطاني : أصدرناها والسيوف قد أنفت من الغمود ، ونفرت من قربها ، والأسنّة قد ظمئت إلى موارد القلوب ، وتشوّقت إلى الارتواء من قلبها ، والحماة ما منهم إلّا من استظهر بإمكان قوّته وقوّة إمكانه ، والأبطال ليس فيهم من يسأل عن عدد عدوّه بل عن مكانه . ومثله في الحسن ما كتبت به جوابا عن مولانا السّلطان الملك المؤيد - سقى اللّه ثراه - إلى قرا يوسف ملك العراق ، يتضمّن خطاب الإيناس نظير ما خاطب في مكاتبته ، فمن الجواب قولي : وهذه ألفة خولتنا في نعم اللّه وزمام الأخوّة منقاد إلينا ، وقد تعيّن على المقرّ أن يقول : أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا [ يوسف : 90 ] . وقد سرّتنا الإشارة الكريمة بالتمكين من أرض العدا ومطابقة الطّول بالعرض ، وهذا الاسم قد شملته